الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

400

مختصر الامثل

الإنفاق رياءً والإنفاق قربةً : الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث تعقيب على الآيات السابقة وإشارة إلى المتكبرين إذ تقول : « الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ » . هذا مضافاً إلى أنّهم يسعون دائماً أن يخفوا عن الآخرين ما تفضل اللَّه عليهم به من الخير كيلا يتوقع المجتمع منهم شيئاً « وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ » . ثم يقول عن نهاية هذا الفرق من الناس وعاقبة أمرهم : « وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا » . ولعل السرّ في استخدام هذا التعبير في حق هذه الطائفة هو أنّ « البخل » ينبع في الغالب من الكفر ، لأنّ البخلاء لا يمتلكون الإيمان الكامل بالمواهب الربانية المطلقة والوعود الإلهية العظيمة للمحسنين . إنّهم يتصورون أنّ مساعدة الآخرين وتقديم العون إليهم يجرّ إليهم التعاسة والشقاء . وأمّا الحديث عن الخزي في عذاب هؤلاء ، فلأن الجزاء المناسب للتكبر والاستكبار هو العذاب المهين . ثم إنّ اللَّه سبحانه يذكر صفة أخرى من صفات المتكبرين إذ يقول : « وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْأَخِرِ » إنّهم ينفقون أموالهم لا في سبيل اللَّه وكسب رضاه ، بل مراءاة الناس لكسب السمعة وجلب الشهرة والجاه ، وبالتالي ليس هدفهم من الإنفاق هو خدمة الناس وكسب رضا اللَّه سبحانه . إنّ هؤلاء اختاروا الشيطان رفيقاً وقريناً لهم : « وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا » . إنّه لن يكون له مصير أفضل من مصير الشيطان ، لأنّ منطقهم هو منطق الشيطان ، وسلوكهم سلوكه سواء بسواء ، إنّه هو الذي يقول لهم : إنّ الإنفاق بإخلاص يوجب الفقر « الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ » « 1 » . من هذه الآية يستفاد أنّ علاقة « المتكبرين » ب « الشيطان والأعمال الشيطانية » علاقة مستمرة ودائمة لا مؤقتة ولا مرحلية . وهنا يقول سبحانه وكأنّه يتأسّف على أحوال هذه الطائفة من الناس : « وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ » . أي شيء عليهم لو تركوا هذا السلوك وعادوا إلى جادة الصواب وأنفقوا مما رزقهم اللَّه من الخير والنعمة في سبيل اللَّه ، بإخلاص لا

--> ( 1 ) سورة البقرة / 268 .